• RSS
  • Delicious
  • Facebook
  • Twitter

بقلم: د. أحمد عثمان عمر

يكثر المؤتمر الوطني الحاكم في خطابه من طمأنة عضويته وأنصاره على متانة سلطته وحتمية إستمرارها، ويستهدف أحياناً بهكذا خطاب المواطن العادي بل وبعض القوى المعارضة أيضاً، مركزاً على طول الفترة نسبياً التي حكم فيها البلاد ونتائج الإنتخابات الأخيرة مع ضعف المعارضة السياسية ومتخذاً لها كدلالات معضدة لمزاعمه. وبكل أسف لاتقوم المعارضة السياسية بتقديم خطاب موازي مرتب ومستمر لبيان مدى ضعف وهشاشة نظام الإنقاذ وتترك ذلك للخطاب الجزئي والإجتهادات الفردية للمعارضين وهذا أمر غير كاف بكل تأكيد. وللمساهمة في رصد بعض مظاهر ضعف وهشاشة النظام في عجالة، نوجز هذه المظاهر فيمايلي:
1. من المعلوم أن السمة الأساسية لأي سلطة سياسية هي “إحتكار العنف”. يعضد ذلك قبول المجتمع المعني بهذا الإحتكار الذي يتجلى في أدوات القمع العسكرية التي تحمي حدود البلاد وتحافظ على الأمن وتمنع المواطن من منافستها في هذا الشأن . وبتطبيق هذا المعيار على سلطة الإنقاذ، نجد أنها ومنذ نشوئها لم تستطع إحتكار العنف في البلاد وكان دائماً هنالك من ينازعها ويمنعها من إحتكار العنف بل ويستقطع جزءاً من البلاد ويخرجه من مظلة حكمها الظالم. قامت الحركة الشعبية لتحرير السودان وقوى التجمع الوطني الديمقراطي بهذا الدور منذ نشوء الإنقاذ وحتى توقيع إتفاقية نيفاشا في عام 2005م ، وواصلته الحركات المسلحة بدارفور منذ العام 2003م وحتى تاريخ هذه المساهمة، وأجبرت الحركة الشعبية قطاع الشمال للعودة إلى ممارسته مؤخراً. ومؤدى ذلك أن الإنقاذ لم تستوف يوماً شرط احتكار العنف في كافة البلاد ولم تتوفر لها السمة الأساسية للسلطة السياسية وفقاً لتوصيف ماكس فيبر، إلا في أجزاء بعينها بالبلاد.

2. فشل الإنقاذ في المحافظة على وحدة البلاد وتفريطها المستمر في سيادتها. فإنفصال الجنوب يمثل هزيمة سياسية واضحة وتأكيد لفشل برنامج أسلمة الجنوب ويأس الطغمة الحاكمة من نجاحه وتسليمها بفصل الجنوب للإنفراد بحكم شمال البلاد حتى يستقر حكمها. وفشل الإنقاذ في إخضاع الجنوب عبر الحل العسكري الذي تبنته منذ استلامها السلطة مع الفشل في إحتواء الجنوبيين وتحييدهم وفقاً لإتفاقية نيفاشا، لايمكن مداراته وتعميته بالخطاب السياسي البائس الذي يدعي أن انفصال الجنوب نصر وأنه لن يؤثر على أوضاع البلاد. فركون الإنقاذ للفصل باعتباره برنامجها البديل، دليل على فشل البرنامج الأساس وهو السيطرة على الجنوب ولا أقول أسلمته لأن المؤتمر الوطني لم يتبق له إلا الحرص على السلطة والإستمرار فيها. والفشل المذكور دلالة ضعف مؤكدة لا يمكن إنكارها.

3. إضطرار المؤتمر الوطني لتزوير الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة بدءاً بالإعتداء على الإحصاء السكاني وتمزيق الدوائر الجغرافية واقصاء المغتربين عمداً عن الإنتخابات البرلمانية، وانتهاءاً بخج صناديق الإنتخابات بل وتبديلها في بعض المناطق لتخرج النتيجة كاريكاتيرية ومحرجة حتى لبعض منسوبي الإنقاذ، يؤكد قناعة المؤتمر الوطني باستحالة وصوله للسلطة عبر انتخابات حرة . ويعضد ذلك ضيقه من وجود والي وحيد يتبع للحركة الشعبية بولاية النيل الأزرق وشن الحرب عليه. وتزوير الإنتخابات في أي مكان دائماً دليل على غربة التنظيم المعني عن واقعه وبعده عن جماهير شعبه، وخوفه من غضبة هذه الجماهير وان كانت سلمية تأتي عبر وريقة ترمى في صندوق انتخابي أقسم أحد صقور الإنقاذ ألا يعطيها فرصة أخذ السلطة منه لأنه أتى إليها بالقوة، فكانت عبارته الشهيرة “بعد مالبنت مابنديها الطير”.

4. الخوف المرضي الذي انتاب قيادات المؤتمر الوطني الحالية من الإحتكام للناس حتى بعد بناء دولة التمكين، والذي تمثل في المعارضة المحمومة لشيخ الحركة الإسلامية حسن الترابي حينما أراد التحول من دولة التمكين للدولة الأصل وفتح الباب للتنافس مع القوى السياسية الأخرى، وانتهى بالتآمر عليه واخراجه بعنف في الإنقسام الشهير الذي عرف بالمفاصلة. وهذا السلوك إشارة مؤكدة إلى فقدان المؤتمر الوطني للثقة بنفسه إلى مستوى قاد إلى التآمر على قيادته التاريخية صاحبة المشروع ، وهو دلالة على ضعف وخوف من الآخر واعتماد كلي على القوة الخالصة في تثبيت أركان الحكم. ولا يفوتنا أن ننوه إلى أن هذا الإنقسام أضعف المؤتمر الوطني برغم التبجح وأفقده مفكره الإستراتيجي وعدد لايستهان به من كادره الوسيط.

5. النزيف المستمر للخدمة المدنية والقوات النظامية والسلطة القضائية عبر الفصل والتشريد المنظم وغير المنظم واشغال الوظائف بالدولة بأهل الولاء بدلاً من أصحاب الكفاءة، أدى إلى تحطيم آلة الدولة وفشل في بناء آلة بديلة موالية وفاعلة في نفس الوقت، وقاد لضياع مصالح الناس وانتشار الرشوة والمحسوبية وأغرق الدولة في فساد مسنود ومحمي جعلها تتبوأ أحد المراكز الخمس الأخيرة بصفة دائمة في تقرير منظمة الشفافية الدولية. والفساد هو أحد المظاهر الأساسية للدولة الفاشلة، والدولة الفاشلة والفاسدة دولة ضعيفة مهما تمسكت بأهداب القوة.

6. العزلة الدولية الكبيرة والتي مازالت تزداد استحكاماً برغم توهم المؤتمر الوطني بأن صعود الإسلاميين إلى السلطة في إطار ماعرف بالربيع العربي سوف يخفف من هذه العزلة، فالبلاد مازالت موضوعة في قائمة الدول الراعية للإرهاب الأمريكية، وهذا يحرمها من الإستدانة من المؤسسات المالية العالمية ويحرمها من التكنلوجيا الغربية بشكل حتمي. فالمؤتمر الوطني لايريد أن يفهم بأن قبوله أمريكياً يستلزم تقديم التنازلات بشكل مستمر والإندماج لجوقة المسبحين بحمد الإدارة الأمريكية ليلاً ونهاراً. إذ لابد له ان أراد تطبيعاً أن يدفع مستحقاته استقرارا لدولة الجنوب الوليدة واشراكاً لخصومه وخصوصاً قطاع الشمال بالحركة الشعبية في السلطة وتجسير الهوة بينه وبين القسم الآخر للحركة الإسلامية المقبول داخلياً وخارجياً، وهذه بالطبع أمور لا يستطيعها المؤتمر الوطني وبعضها خارج عن إرادته تماماً.

7. استمرار ملاحقة رئيسه من قبل محكمة الجنايات الدولية وتوظيف بعض الدول الإستعمارية لهذه الملاحقة لإبتزاز المؤتمر الوطني بعد أن وضعته حيث أرادته، مما يضعف هامش المناورة للمؤتمر الوطني ويعزز عزلته ويلقي بظلال قاتمة على مقدرته في المشاركة الفاعلة في القمم الإقليمية والدولية وتجسير العلاقات مع الدول على مستوى رفيع عبر علاقات منتظمة لا على سبيل المسارقة بحيث يعتبر سفر الرئيس وعودته للبلاد فتحاً مبيناً.

8. تنامي الدين الخارجي للدولة بإزدياد حجم خدمة الدين وفوائده، حيث يقدر البعض المديونية الخارجية بما يقارب ثمانية وثلاثون مليار دولار أمريكي. وهذه المديونية تلقي بثقلها السلبي على اقتصاد منهك دمرته الطفيلية الإسلامية وانهكت زراعته وصناعته وانتاجه الحيواني جباية وتطفلاً، وسقط بالضربة القاضية بعد رحيل النفط جنوباً بعد انفصال جنوب السودان وتكوين دولته الفتية. ومن الطبيعي أن يفشل المؤتمر الوطني في ردم الهوة وهو المعزول خارجياً والمثقل بالديون التي تزداد تكلفة خدمتها مع مرور كل دقيقة.

9. الفشل في ابتزاز دولة جنوب السودان الفتية للحصول على دفعات مالية أو نصيب من عائدات النفط يغطي العجز المتنامي الناجم عن فقدان النفط كمورد أساسي للخزينة العامة، وهذا الفشل استمر الآن لحوالى أربعة أشهر مرشحة للزيادة، وليس هناك مايوحي إلى أن دولة الجنوب سوف تصرخ أولاً في عض الأصابع الراهن، خصوصاً إذا أخذنا في الإعتبار أن مصالحها النفطية مرتبطة بمصالح التنين الصيني ومحمية بمظلة الولايات المتحدة الأمريكية، وأن إقتصاد المؤتمر الوطني في الشمال لا يمتلك أدوات الصمود لفترات طويلة. وبقراءة تاريخ المؤتمر الوطني في الحكم، لا يواتينا الشك في استسلامه للشروط الأمريكية قريباً.

10. الإنبطاح الكامل أمام الولايات المتحدة الأمريكية بالتعاون غير المشروط فيما عرف بالحرب على الإرهاب، حيث أثنت الإدارة الأمريكية على مستوى ذلك التعاون واستقبلت مدير المخابرات السودانية لأكثر من مرة برئاسة السي آي ايه بمنطقة لانغلي. ويعضد ذلك اتهامات الحركات الاسلامية لحكومة المؤتمر الوطني بتسليم عضويتها للحكام وآخرها اتهامات بعض قيادات الحركة الإسلامية الليبية بتسليم بعض قياداتها لنظام القذافي الذي سقط. ولا شك في أن هذا التعاون يعكس مدى الرعب الذي انتاب المؤتمر الوطني بعد أحداث 11 سبتمبر الشهيرة التي أعقبت انقسام الحركة الإسلامية فيما عرف بالمفاصلة.

11. التلكؤ في اعلان حكومة المؤتمر الوطني الجديدة برغم سيطرته التامة على البرلمان عبر الإنتخابات “المخجوجة” وانتظاره لاستدراج بعض القوى المعارضة لتضخ بعض الدماء في شرايينه المتيبسة واستخدام جميع أساليب الإبتزاز والترغيب في آن لتوريط قوى سياسية معه في تحمل تبعة الفشل الآني والقادم في إدارة البلاد، وفك العزلة الخانقة التي يعاني منها. وهذا مؤشر ضعف كبير واقرار بأن العزلة المضروبة حوله داخلياً وخارجياً خانقة وغير محتملة.

12. اختفاء الخطاب الجهادي الموجه ضد أمريكا تحديداً وتراجع المواقف الآيدلوجية المتشددة حول تطبيق الشريعة الإسلامية، واضطرار النظام لترك خطاب التشدد للجماعات السلفية والتكفيرية، يستعين بها حسب الحاجة لتقول مالا يستطيع قوله، حيث تكفر له خصومه السياسيين، وتصدر له الفتاوى حسب الطلب، وتقيم الصلاة على أسامة بن لادن في خطوة رمزية ذات دلالة، وتعينه في التخلي عن حلفائه بالمسيرات كتلك المناصرة للشعب السوري مؤخراً.

13. تغيير النظام لمواقفه تحت ضغط الحاجة الإقتصادية وتراجع المركز المالي بعد الإنفصال. مثال لذلك تصويت النظام في الجامعة العربية مع تعليق عضوية سوريا بالجامعة. والمعروف أن النظام السوري نظام حليف لنظام المؤتمر الوطني، ولكن حاجة المؤتمر الوطني للتسول من دول الخليج، دفعته للتخلي عن حليفه. والمدهش هو استغراب النظام السوري القمعي من موقف النظام السوداني، لأن ذلك يعكس ضعفاً بيناً لدى صانع القرار السوري في تحليل طبيعة نظام الإنقاذ الذي تحالف معه منذ البداية.

14. القمع المستمر لقوى المعارضة واشعال الحروب لتفادي الإستحقاقات مع الإعتقال والتعذيب واغلاق الصحف وفرض الرقابة القبلية عليها والتضييق على الصحفيين، يعكس ضيقاً بل خوفاً من الرأي الآخر ومن أي عمل منظم معارض للمؤتمر الوطني ولا يتفق معه في وجهة النظر. ومثل هذا السلوك يعكس كبراً في العضلات وضآلة وضمور في الفكر والقدرة على مقارعة الحجة بالحجة، وهذه مصيبة كبرى لأن الاستمرار في السلطة يحتاج لسيف وكتاب ولا يمكن أن يكرسه حمل السيف وحده.

15. الإنتهاكات الاسرائيلية المستمرة لسيادة البلاد وضرب أهداف داخل الأراضي السودانية.
لا أريد أن أتوسع في سرد المزيد من مظاهر ضعف النظام الذي أهملت صراعاته الداخلية عمداً حتى يتسع المقام لمتابعتها لاحقاً في حال توفر المعلومات، ولكنني أود أن أنوه إلى أن ضعف النظام لوحده غير كاف لسقوطه، فغياب العنصر الذاتي للتغيير وضعف المعارضة السياسية الذي ازداد بعد انسحاب الحركة الشعبية بثقلها جنوباً وتكوين دولة الجنوب، مع غياب منظمات مجتمع مدني فاعلة، هو الذي يطيل عمر هذا النظام المتهالك.


  • Cheap reliable web hosting from WebHostingHub.com.
  • Domain name search and availability check by PCNames.com.
  • Website and logo design contests at DesignContest.net.
  • Reviews of the best cheap web hosting providers at WebHostingRating.com.